روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
46
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) كان الملعون مشبها لذلك قال : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ أي : شيء هو ؟ فوقع في الخيال ، فأجابه موسى : قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي : موجد الأشياء بلا كيف ، وهو منزه عن التكييف والتصوير ، وزاد الحجة عليه من حيث قطع نسبة التشبيه عنه بقوله : قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) أي : ليس الخالق كالمخلوق أوجدكم وأوجد آباءكم من العدم بقوة القدم ، ومن كان قديما انقطع عنه إشارات الأوهام والخيال ، فلما سمع الملعون حجة كاملة ، وعلم أن حجته القطع نسب موسى إلى الجنون لما لم يكن له جواب لموسى ، وخاف أن يسقط من أعين قومه . قال عمرو المكي : علم فرعون أن الحجة قد وجبت فخاف الافتضاح عند قومه ، فأعرض عن مساءلة موسى ، ورجع إلى قومه ، وقال : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قال موسى : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تبين بذلك حجته ، وظهر افتضاحه في انقطاعه ، فثبت الحجة عليه إذ لم يدفع الحجة بحجة ، والإشارة في قوله : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مشرق قلوب العارفين يشرق بطلوع شمس تجلي الصفات والذات ، ومغرب نفوسهم التي هي معدن ظلمات قهره حين ابتلاهم بالاستتار بعد التجلي . قال ابن عطاء : منور قلب أوليائه بالإيمان ، ومشرق ظواهرهم به ، ومظلم قلوب أعدائه بالكفر والعصيان ، ومظهر آثار تلك الظلم على هياكلهم .